فصل: ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ثم دخلت سنة عشرين ومائة فمن الحوادث فيها

غزوة سليمان بن هشام الصائفة وافتتاحه سندرة

وغزوة إسحاق بن مسلم العقيلي فافتتح قلاعًا‏.‏

وغزوة مروان بن محمد أرض الترك‏.‏ وكان قد ولاه أرمينية فكتب إليه يستأذنه في الدخول إلى

بلادهم فكتب إليه هشام‏:‏ كيف أفعل ما لم يفعله أحد قبلي‏.‏ فكتب إليه‏:‏ إن الناس يشتهونذلك وأرجو أن يكون فيه خير‏.‏ فأذن له فدخل والقوم غارون فهربوا إلى الآجام فأضرمها نارًا

واقتتلوا قتالًا شديدًا وظفر المسلمون وبعثوا إليه بالخبر‏.‏

وفي هذه السنةتوفي أسد بن عبد الله فاستخلف جعفر بن حنظلة البهراني فعلم أربعة أشهر وجاء عهد

وفي هذه السنة وجهت شيعة بني العباس بخراسان إلى محمد بن علي سليمان بن كثير ليعلمه

أمرهم وما هم عليه‏.‏

وسبب ذلك موجدة كانت من محمد بن عليّ على شيعته بخراسان من أجل طاعتهم لخداش

الذي كان يكذب على محمد بن علي فترك مكاتبتهم فبعثوا سليمان بن كثير فقدم عليه

فعنف أهل خراسان فيما فعلوا‏.‏

ثم وجه محمد بن علي بن بكير بن ماهان إلى خراسان بعد منصرف سليمان يعلمهم أن خداشًا

حمل شيعته على غير منهاجه فتابوا من ذلك‏.‏وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله عن أعماله التي ولاه كلها

وكان لذلك أسباب منها‏:‏ أنه اتخذ أموالًا وخفرا فبلغت عشرين ألف ألف وكانوا يشيرون عليه

أن يعرض بعضها على هشام فلا يفعل‏.‏ فبلغ ذلك هشامًا ثم بلغه أن خالدًا استخف برجل منقريش وكان يقول لابنه‏:‏ ما أنت بدون مسلمة بن هشام وكان خالد يذكر هشامًا فيقول‏:‏ ابن

الحمقاء وكانت أم هشام تستحمق‏.‏ فكتب إليه هشام كتابًا في فيه غلظة وقَّبح له استخفافهبقريش وسبه في الكتاب وعزم على عزله وأخفى ذلك فلما أحس طارق خليفة خالد بالأمر

ركب إلى خالد فقال له اركب إلى أمير المؤمنين فاعتذر إليه من شيء بلغه عنك‏:‏ فقال‏:‏ كيف

أركب إليه بغير إذنه قال‏:‏ فسر في عملك وأتقدمك فأستأذنه لك قال‏:‏ ولا هذا قال فأذهبفأضمن لأمير المؤمنين جميع ما انكسر في هذه السنين قال‏:‏ وما مبلغه قال‏:‏ مائة ألف ألف

قال‏:‏ ومن أين أجد هذا والله ما أجد عشرة آلاف درهم قال‏:‏ نتحمل عنك ونفرق الباقي

على العمال قال‏:‏ أين للئين إن كنت سوغت قومًا شيئًا ثم أرجع فيه‏.‏

فخرج طارق يبكي وقال‏:‏ هذا آخر ما نلقتي في الدنيا وجاء كتاب هشام إلى يوسف بن

عمر‏:‏ سر إلى العراق فقد وليتكها وإياك أن تُعلم أحدًا وخذ ابن النصرانية وعماله فأشفنيمنهم فقدم يوسف العراق في جمادى فأخذ صالح فحبسه فصولح على تسعة آلاف ألف

درهم وقيل أخذ مائة ألف ألف فكانت ولاية خالد في شوال سنة عشر ثم عزل في جمادى

الآخر سنة عشرين‏.‏

وفي هذه السنة ولي يوسف بن عمر العراق فقدم واليًا عليها على ما ذكرنا فولى خراسان جُديع بن علي الكرماني وعزل جعفر بن حنظلة‏.‏ واستشار هشان فيمن يولي العراق فذكروا له رجالًا فاختار نصر بن سيار فولاه وكتب إليه أن يكاتب يوسف بن عمر فكتب يوسف عهد نصر بن سيار مع عبد الكريم الحنفي فأعطاه نصر عشرة آلاف درهم وأحسن الولاية والجباية وبث العمال وعمرت خراسان وفي هذه السنة حدج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل وكان هو العامل على المدينة ومكة والطائف‏.‏وقيل‏:‏ بل حج بهم سليمان بن هشام بن عبد الملك‏.‏ وقيل‏:‏ يزيد بن هشام‏.‏وكان على المشرق والعراق يوسف بن عمر وعلى خراسان نصر بن سيار وقيل‏:‏ جعفر بن

حنظلة وعلى البصرة كثير بن عبد الله السلمي من قبل يوسف بن عمر وعلى قضائها عامر بنعبيدة الباهلي وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد وعلى قاضي الكوفة ابن شبرمة‏.‏

 

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أسد بن عبد الله أخو خالد بن عبد الله القسري‏:‏ وقد ذكرنا ما كان إليه من خراسان وغيرها‏.‏ وكانت به دبيلة في جوفه فحضر المهرجان وهو ببلخ فقدم عليه الأمراء والدهاقين بالهدايا وكان فيمن قدم عليه عامله على هراة ودهقانها فقدما بهدية قومت ألف ألف كان فيها قصر من ذهب‏.‏ وقصر من فضة وأباريق من ذهب وفضة وصحاف من ذهب وفضة فأقبلا وأسد جالس على سرير وأشراف الناس من خراسان على الكراسي فوضعا القصرين ثن وضعا خلفهما الأباريق والصحاف والديباج القوهي وغير ذلك‏.‏ ففرق ذلك ثم مرض فأفاق فدم إليه كمثرى فأخذ واحدة فرمى بها إلى عامل له فانقطع الدبيلة فهلك‏.‏سلم بن قيس العلوي

يروي عن أنس‏.‏ روى عنه جرير بن حازم‏.‏ وثقه يحيى وأبو بكر بن أبي داود‏.‏

وقال يحيى في رواية‏:‏ هو ضعيف‏.‏ وقال حماد‏:‏ ذكرته لشعبة فقال‏:‏ الذي يرى الهلال قبلالناس بيومين‏.‏ قال له الحسن‏:‏ خل بين الناس وهلالهم حتى يروه‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ يقال إن أشفار

عينيه ابيضت وكان إذا أبصر رأى أشفار عينيه فيظنها الهلال‏.‏وليس من أولاد علي بن أبي طالب إنما هو من ولد علي بن يونان قيل‏:‏ كانوا بالبصرة وثمآخر يقال له‏:‏ خالد بن يزيد العلوي من ولد علي بن الأسود يروي عن الحسن البصري وثم آخر يقال له جندب بن سرحان العلوي من بني مدلج حدث عن بليغ روى عنه ابن لهيعة ومدلج من بني عبد مناة بن كنانة وإنما قيل لولده بنو علي لأن أمهم الدفراء واسمها فكيهة تزوجها بعد

أبيهم علي بن مسعود الغساني فنسبوا إليه‏.‏ وإياهم عنى أمية بن أبي الصلت بقوله‏:‏

لله در بن علي إيّم منهم وناكح ما عدا من ذكرنا ممن يقال له العلوي فمنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏.‏

مولى عمر بن علقمة الكناني ويقال‏:‏ الداري‏:‏ والدار بطن من لخم وهو من أبناء فارس الذينكانوا بصنعاء بعثهم كسرى إلى اليمن لما طرد الحبشية عنها وهو أحد القراء السبعة‏.‏ أخذ عن

مجاهد وقرأ عليه أبو عمرو بن العلاء‏.‏

وكان ذا دين وورع وكان عطارًا وتوفي بمكة في هذه السنة‏.‏

عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان أبو عمر الظفري الأنصاري كان له علم بالسير والمغازي‏.‏ روى عن ابن إسحاق وغيره وكان ثقة ووفد على عمر بن عبد العزيز في خلافته في دين لزمه فقضاء عنه وأمر له بمعونة وأمره أن يجلس في مسجد دمشق فيحدث الناس بمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومناقب أصحابه رضي الله عنهم وقال‏:‏ إن بني أمية كانوا يكرهون هذا وينهون عنه فأجلس فحدث ففعل‏.‏

ثم رجع إلى المدينة فتوفي بها في هذه السنة‏.‏

قيس بن مسلم الجدلي‏:‏ روى عن طارق بن شهاب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وابن جبير‏.‏ وكان من المتعبدين البكائين وتوفي في هذه السنة‏.‏

أخبرنا عبد الوهاب الحافظ بإسناده عن أبي بكر بن عبيد قال‏:‏ حدثني محمد بن الحسين قال‏:‏

حدَّثنا الحميدي قال حدَّثنا سفيان قال‏:‏ كان قيس بن مسلم يصلي حتى السحر ثم يجلس فيمج البكاء ساعة بعد ساعة ويقول‏:‏ لأمرٍ ما خلقنا لئن لم نأت الآخرة بخير لنهلكن‏.‏

محمد بن واسع بن جابر أبو عبد الله أسند عن أنس وغيره وكان عالمًا خيرًا متواضعًا وكان الحسن يسميه سيد القراء وكان يصوم الدهر ويخفي ذلك وكان يبكي طول الليل حتى قالت جارية له‏:‏ لو كان هذا قتل أهل الدنيا ما زاد على هذا‏.‏ وكان يخرج فيغزو فخرج مرة إلى الترك مع قتيبة بن مسلم فقيل لقتيبة‏:‏ محمد بن واسع يرفع إصبعه - يعني يدعو - فقال‏:‏ تلك الإصبع أحب إليّ من ثلاثة آلاف عنان‏.‏

أنبأنا المبارك بن أحمد الكندي أخبرنا عاصم بن الحسن قال‏:‏ أخبرنا علي بن محمد بن بشران

قال‏:‏ أخبرنا ابن صفوان قال‏:‏ حدَّثنا أبو بكر بن عبيد قال‏:‏ حدثني أبو حفص الصيرفي قال‏:‏

حدثني علي بن بزيع الهلالي قال‏:‏ قال مطر الوراق قال‏:‏ ما اشتهيت أن أبكي قط حتى أشتفي إلا نظرت إلى وجه محمد بن واسع وكنت إذا نظرت إلى وجهه كأنه قد ثكل عشرة من الحزن‏.‏

أخبرنا محمد بن هبة الله الطبري بإسناد له عن ابن شوذب قال‏:‏ كان إذا قيل بالبصر‏:‏ من

أفضل أهل البصرة قالوا‏:‏ محمد بن واسع ولم يكن يرى له كثير عبادة وكان يلبس قميصًا

بصريًا وساجًا وكان له علية فإذا كان الليل دخل ثم أغلقها عليه‏.‏

أخبرنا محمد بن أبي القاسم قال‏:‏ حدَّثنا حمد بن أحمد قال‏:‏ حدثنا أبو نعيم الأصفهاني قال‏:‏حدثنا أبو بكر بن مالك قال‏:‏ حدَّثنا بن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال‏:‏ حدَّثنا سفيان بن

وكيع قال‏:‏ حدَّثنا ابن علية عن يونس قال‏:‏ سمعت محمد بن واسع يقول‏:‏ ول كان يجد للذنوب ريح ما قدرتم أن تدونوا مني من نتن ريحي‏.‏

قال عبد الله‏:‏ وحدثني علي بن مسلم قال‏:‏ حدثنا سيار قال‏:‏ حدَّثنا الحارث بن نبهان قال‏:‏

سمعت محمد بن واسع يقول‏:‏ وا أصحاباه ذهب أصحابي‏:‏ قلت‏:‏ رحمك الله أليس قد نشأ شباب يصومون النهار ويقومون الليل ويجاهدون في سبيل الله قال‏:‏ بلى ولكن يداخ وثفل أفسدهم العجب‏.‏

قال عبد الله‏:‏ وحدثنا هارون بن معروف قال‏:‏ حدثنا ضمرة عن ابن شوذب قال‏:‏ قسم أمير البصرة على أهل البصرة فبعث إلى مالك بن دينار فقبل فقال له محمد بن واسع‏:‏ يا

مالك قبلت جوائز السلطان قال‏:‏ سل جلسائي فقالوا‏:‏ اشترى بها رقابًا وأعتقهم فقال لهمحمد بن واسع‏:‏ أنشدك الله أقلبك الساعة له على ما كان قبل أن يجيزك قال‏:‏ اللهم لا قال‏:‏

ترى أي شيء دخل عليك فقال مالك لجلسائه‏:‏ إنما مالك حمار إنما يعبد الله مثل محمد بن

واسع‏.‏

قال عبد الله‏:‏ وحدثني عبيد الله القواريري قال حدَّثنا حماد بن زيد قال‏:‏ دخلنا على محمد بن واسع نعوده في مرضه فجاء يحيى البكاء يستأذن فقالوا‏:‏ يحيى البكاء فقال‏:‏ إن شر أيامكن يوم نسبتم إلى البكاء‏.‏وفي رواية أخرى أنه قال‏:‏ إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته لا تعلم‏.‏

وقال لرجل‏:‏ هل أبكاك قط سابق علم الله فيك‏.‏

أخبرنا علي بن أبي عمر قال‏:‏ أخبرنا رزق الله قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال‏:‏ أخبرنا

ابن صفوان قال‏:‏ حدَّثنا أبو بكر بن عبيد الله قال‏:‏ حدَّثنا عبد الله بن عيسى الطفاوي قال‏:‏

حدَّثنا محمد بن عبد الله الزراد قال‏:‏ رأى محمد بن واسع ابنًا له وهو يخطر بيده فقال‏:‏ ويحك تعال تدري من أنت أمك اشتريتها بمائتي جرهم وأبوك فلا أكثر الله في المسلمين مثله‏.‏

قال ابن عبيد الله‏:‏ و حدَّثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم عن سعيد بن عامر عن حزم قال‏:‏ يا إخوتاه تدرون أين يذهب بي يذب بي والله الذي لا إله إلا هو إلى النار أو يعفو عني‏.‏

أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري‏:‏ اسمه كنيته وكان فاضلًا وكان إليه القضاء والحج‏.‏ ولما ولي عمر بن عبد العزيز ولاه إمرة المدينة‏.‏

أخبرنا إسماعيل بن أحمد المسرقندي بإسناده عن عطاف بن خالد عن أمه عن امرأة أبي بكر

بن محمد بن عمرو بن حزم أنها قالت‏:‏ ما اضطجع أبو بكر على فراشه منذ أربعين سنة بالليل‏.‏

توفي بالمدين وهو ابن أربع وثمانين سنة‏.‏

 

ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائة

فمن الحوادث فيها غزوة مسلمة الروم وافتتح بها مطاميروغزوة مروان بن محمد بلاد صاحب سرير الذهب ففتح قلاعه وخر أرضه وأذعن له

وفي هذه السنة قتل زيد بن علي في بعض الأقوال وفي قول‏:‏ إنه قتل في سنة عشرين‏.‏ وزعم هشام بن محمد أنه قتل سنة اثنتين وعشرين‏.‏واختلف في سبب خروجه‏.‏ فقال عبد الله بن عياش‏:‏ قد زيد بن علي ومحمد بن عمر بن علي

بن أبي طالب رضي الله عنهم وداود بن علي بن عبد الله بن عباس على خالد بن عبد اللهوهو على العراق فأجازهم إلى المدينة فلما ولي يوسف بن عمر كتب إلى هشام بأسمائهم وبما

أجازهم به وكتب يذكر أن خالدًا ابتاع من زيد أرضًا بالمدينة بعشرة آلاف دينار ثم ردالأرض عليه‏.‏ وكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسرحهم إليه ففعل فسألهم هشام فأقروا

بالجائزة وأنكروا ما سوى ذلك فسأل زيدًا عن الأرض فأنكرها وحلفوا لهشام فصدقهم‏.‏

وفي رواية‏:‏ أن يزيد بن خالد القسري ادعى مالًا قبل زيد بن علي ومحمد بن عمر وداود بن

علي في آخرين فأنكروا‏.‏

وفي رواية أن خالدًا القسري لما عذب ادعى أنه استودع هؤلاء مالًا فكتب فيهم يوسف بن

عمر إلى هشام بن عبد الملك فقال لهم هشام‏:‏ فإنا باعثون بكم إليه يجمع بينكم وبينه فقال له

زيد بن علي‏:‏ أنشدك الله والرحم أن تبعث بي إلى يوسف فإني أخاف أن يعتدي علي قال‏:‏ليس ذلك له ثم كتب إلى يوسف‏:‏ أما بعد فإذا قدم عليك فلان وفلان فاجمع بينهم وبين يزيدبن خالد فإنهم هم أقروا بنا ادعى عليهم فسرحهم إلي وإن هم أنكروا فسله بينة وإن لم يقم

بينة فاستحلفهم بعد العصر بالله الذي لا إله إلا هو ما استودعكم يزيد وديعة ولا له قبلك

شيء ثم خل سبيلهم فلما قدموا سألهم عن المال فأنكروا جميعًا وقالوا‏:‏ لم يستودعنا مالًا ولا

له قبلنا حق فقال له يوسف‏:‏ هؤلاء الذين ادعيت عليهم ما ادعيت فقال‏:‏ ما لي قبله قليل ولا

كثير فقال له‏:‏ أفبي تهزأ أم بأمير المؤمنين فعذبه عذابًا ظن أنه قتله فاستحلفهم وخلى سبيلهم

فلحقوا بالمدينة‏.‏

وقيل لخالد‏:‏ لم ادعيت عليهم فقال‏:‏ اشتد علي العذاب فرجوت مجيء فرج قبل وصولهم‏.‏وأقام زيد بن علي بالكوفة‏.‏وقيل‏:‏ إنما كانت الخشونة بين زيد وعبد الله بن حسن بن حسن فقدم زيد على هشاملمخاصمة ابن عمه عبد الله فقال له هشام‏:‏ قد بلغني أنك تذكر الخلافة وتتمناها وليست هناك أنت ابن أمة فقال‏:‏ إن لك يا أمير المؤمنين جوابًا قال‏:‏ فتكلم قال‏:‏ ليس أحد أولى بالله من نبي ابتعثه وقد كان إسماعيل من خير الأنبياء وكان ابن أمة‏.‏وخرج فجعلت الشيعة تختلف إلى زيد وتأمره بالخروج ويقولون‏:‏ إنا لنرجو أن تكون المنصور

وأن يكون هذا الزمان الذي يهلك فيه بنو أمية فأقام بالكوفة وكتب هشام إلى يوسف‏:‏

أشخص زيدًا إلى بلده فإنه لا يقيم ببلد فيدعو أهله إلا أجابوه فإنه جدل لسن حلو الكلام فإن

أعاره القوم أسماعهم فحشاها من لين لفظه مع ما يدلي به من قرابة رسول الله صلى الله عليه

وسلم - مالوا إليه فجعل يوسف بن عمر يسأل عنه فيقال‏:‏ هو هاهنا فيبعث إليه‏:‏ أن أشخص فيقول‏:‏ نعم ويعتل بالوجع ويبلغ يوسف أن الشيعة تختلف إلى زيد فسأل عنه بعد مدة فقيل‏:‏ لم يبرح وكان قد أقام نحو خمسة عشر شهرًا فبعث إليه يستحثه وكان يوسف بالحيرة وإنما كان يكتب إلى عامله بالكوفة فتهيأ زيد وخرج فلحقته الشيعة فقالوا‏:‏ أين تذهب ومعك مائة ألف راجل من أهل الكوفة يضربون دونك بأسيافهم غدًا وليس قبلك من أهل الشام إلا عدة قليلة لو أن قبيلة من قبائلنا نصبت لهم لكفتهم بإذن الله فننشدك الله لما رجعت‏.‏ فلم يزالوا به حتى ردوه إلى الكوفة‏.‏ وفي رواية‏:‏ أن جماعة من وجوه أله الكوفة بايعوه حين كان بالكوفة منهم سلمة بن كيهل ونصر بن خزيمة وحجية بن الأجلح ثم أن سلمة أشار على زيد ألا يخرج فلما رأى ذلك داود بن علي قال له‏:‏ يا ابن عم لا يغرنك هؤلاء من نفسك ففي أهل بيتك لك عبرة وفي خذلان هؤلاء إياهم فقال‏:‏ يا داود إن بني أمية قد عتوا‏.‏ فلم يزل به داود حتى شخص إلى القادسية فتبعه أهل الكوفة فقالوا‏:‏ نحن أربعون ألفًا فإن رجعت إلى الكوفة لم يتخلف عنك أحد وأعطوهالمواثيق والأيمان المغلظة فجعل يقول‏:‏ إني أخاف أن تخذلوني وتسلموني كفعلكم بابي وجدي

فيحلفون له فيقول داود بن علي‏:‏ يا ابن عم إن هؤلاء يغرونك أليس قد خذلوا من كان أعز

منك عليهم جدك علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى قتل والحسن بعده بايعوه ثم وثبوا

عليه فانتهبوا فسطاطه وجرحوه أو ليس قد أخرجوا جدك الحسين وحلفوا له ثم خذلوه ثم لم

يرضوا بذلك حتى قتلوه فلا تفعل ولا ترجع معهم فقالوا له‏:‏ إن هذا لا يريد أن تظهر ويزعم

أنه وأهل بيته أحق بهذا الأمر‏.‏فمضى داود إلى المدينة ورجع زيد إلى الكوفة فاستخفى فأقبلت الشيعة تختلف إليه وتبايعهحتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل فأرسل إلى السواد وأهل الموصل رجالًا يدعونإليه‏.‏

وتزوج بالكوفة فكان ينزل تارة في دار امرأته في دار أصهاره ومرة عند نصر بن خزيمة ثمتحول إلى دار معاوية بن إسحاق وكانت بيعته التي بايع الناس‏:‏ ندعوكم إلى كتاب الله وسنة

نبيه وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين وقسم هذا الفيء بين أهلبالسواد ورد المظالم ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا‏.‏ فإذا قال القائل‏:‏ نعم وضع يده

على يده وقال‏:‏ عليك عهد الله وميثاقه وذمة الله وذمة رسوله لتفين بيعتي ولتقاتلن عدوي

ولتنصحن في السر والعلانية فإذا قال‏:‏ نعم مسح يده على يده ثم قال‏:‏ اللهم أشهد‏.‏

فمكث كذلك بضعة عشر شهرًا فلما دنا خروجه أمر أصحابه بالاستعداد والتهيؤ فشاه أمره

في الناس فلما عزم على الخروج أمر أصحابه بالتأهب فانطلق سليمان بن سراقة البارقي إلىيوسف بن عمر فأخبره خبره فبعث يوسف في طلب زيد فلم يجده فلما رأى الناس الذين

بايعوه أن يوسف بن عمر يستبحث عن أمره اجتمع إليه جماعة من رؤسائهم فقالوا له‏:‏ رحمك

الله ما تقول في أبي بكر وعمر قال‏:‏ رحمهما الله ورضي عنهما ما سمعت أحدًا من أهل

بيتي يتبرأ منهما ولا يقول فيهما إلا خيرًا قالوا‏:‏ فلم تطلب إذًا بدم أهل هذا البيت إلا أنهما وثبا

على سلطانكم فنزعاه من أيديكم فقال زيد‏:‏ لو قلنا إنهم استأثروا علينا لم يبلغ ذلك بهم كفرًاقد والله ولّوا فعدلوا قالوا‏:‏ فإذا كان أولئك لم يظلموكم فلم تدعونا إلى قتال هؤلاء فقال‏:‏ إن

هؤلاء ظالمون لكم ولأنفسهم وإنما ندعوكم إلى كتاب الله وإلى السنن أن تحيى وإلى البدع أن

تطفأ‏.‏ ففارقوه ونكثوا بيعته وقالوا‏:‏ سبق الإمام - وكانوا يزعمون أن أبا جعفر محمد بن عليأخا زيد بن علي هو الإمام وكان قد هلك يومئذ - وكان ابنه جعفر بن محمد حيًا فقالوا‏:‏

جعفر إمامنا اليوم بعد أبيه وهو أحق بالأمر ولا نتبع زيدًا وليس بإمام فسماهم زيد الرافضة‏.‏

ثم استتب لزيد خروجه فواعد أصحابه ليلة الأربعاء أول ليلة من صفر سنة اثنتين وعشرين

وبلغ يوسف بن عمر فبعث إلى الحكم بن الصلت وهو يومئذ على الكوفة فأمره أن يجمع أهل

الكوفة في المسجد الأعظم ويحصرهم فيه‏.‏ فجمع الناس في المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد

بيوم وطلب زيد فخرج ليلًا ورفع أصحابه هرادي النار ونادوا‏:‏ زيد يا منصور‏.‏ ومر الحكم

بن الصلت بدروب السوق فغلقت وأغلقوا أبواب المسجد على أهل الكوفة وكان جميع من

وافى زيدًا في تلك الليلة مائتي رجل وثمانية عشر رجلًا فقال زيد‏:‏ سبحان الله أين الناسفقيل له‏:‏ هم في المسجد الأعظم محصورون‏.‏

فذهب زيد إلى الكناسة فإذا بها جمع من جموع أهل الشام فهزمهم ثم خرج إلى الجبانة

وخرج يوسف بن عمر فنزل على تل قريب من الحيرة ومعه أشراف الناس ثم عاد زيد فدخلالكوفة فقصد المسجد فجعل أصحابه يقولون‏:‏ يا أهل المسجد اخرجوا‏.‏ واقتتل هو وأهل

الشام‏.‏فما كانت غداة الخميس بعث يوسف بن عمر جندًا فلقوا زيدًا فاقتتلوا فهزمهم زيد وقتل من أهل الشام نحوًا من سبعين فانصرفوا وهم بشر حال‏.‏ ثم عبأهم يوسف بن عمر وسرحهمفالتقوا بأصحاب زيد فحمل عليهم زيد وأصحابه فكشفهم وقاتل معاوية بن إسحاق الأنصاري بين يدي زيد فقتل وثبت زيد حتى إذا جاء الليل رُمي بسهم فأصاب جبهته فثبت في الدماغ فأدخل إلى بيت وجيء بالطبيب فانتزع السهم فجعل يضج حتى مات‏.‏ فقال القوم‏:‏ أين ندفنه فقال بعض أصحابه‏:‏ نلبسه درعه ونطرحه في الماء وقال آخر‏:‏ بل نحتز رأسه ونطرحه بين القتلى فقال ابنه لا والله لا تأكل لحم أبي الكلاب‏.‏ فجاءوا به إلى نهر فسكروا الماء وحفروا له فدفنوه وأجروا عليه الماء وتصدع الناس وتوارى ولده يحيى بن يزيد‏.‏

فلما سكن الطلب خرج في نفر من الزيدية إلى خراسان ثم دل القوم على قبر زيد فاستخرجوه وقطعوا رأسه وصلبوا جسده وبعث برأسه إلى هشام فأمر به فنصب على باب دمشق ثم أرسل به إلى المدينة فصلب بها ومكث البدن مصلوبًا حتى مات هشام فأمر به الوليد فأنزل وأحرق فلما ظهر ولد العباس عمد عبد الله بن علي إلى هشام بن عبد الملك فأخرجه من قبره وصلبه بما فعل بزيد‏.‏

وذكر أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي في كتاب المقالات‏:‏ أن زيد بن علي لما

خرج قتل في المعركة ودفنه أصحابه فعلم به يوسف بن عمر فنبشه وصلبه ثم كتب هشام يأمر

بحرقه ونسف رماده في الفرات‏.‏

ثم خرج يحيى بن زيد بالجوزجان على الوليد بن يزيد بن عبد الملك فبعث نصر بن سيار إليه

وخرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بالمدينة وبويع له في الآفاق فبعث إليه المنصور

بعيسى بن موسى وحميد بن قحطبة فقتلاه وقتلا من أجله تحت الهدم أباه عبد الله وعلي بنالحسن بن الحسن وجماعة ودفن إبراهيم بن الحسن بن الحسن وهو حي بالكوفة وكان محمد بن

عبد الله وجه ولده وإخوته إلى الآفاق يدعون إليه فوجه ابنه عليًا إلى مصر فأخذ هناك وقتل

ووجه ابنه عبد الله إلى خراسان فطلب فهرب إلى السند فأخذ بها وقتل ووجه ابنه الحسن إلى

اليمن فأخذ لنفسه أمانًا ثم حبس فمات في السجن ثم وجه أخاه موسى إلى الجزيرة فأخذلنفسه أمانًا ووجه أخاه إدريس إلى المغرب ووجه أخاه يحيى إلى الري وخرج بعده أخوه

إبراهيم بن عبد الله إلى البصرة فغلب عليها وعلى الأهواز وفارس وأكثر السواد وشخص عن

البصرة يريد محاربة المنصور فبعث إليه المنصور بعيسى بن موسى وسعيد بن سلم فحارب

حتى قتل ومضى أخوه إدريس بن عبدالله إلى المغرب فغلب على بلدان كثيرة وبسط العدلفيها‏.‏

وخرج الحسين بن علي بن حسن بن حسن فبايعه الناس وعسكر بفخ على ستة أميال من مكة

فخرج إليه موسى بن عيسى في أربعة آلاف فقلت وأكثر من كان معه ولم يتجاسر أحد أن

يدفنهم ثلاثة أيام فأكلت أكثرهم السباع وكان خروجه سنة سبع وستين ومائة في خلافة

موسى وأسر ممن كان معه سليمان بن عبدالله بن الحسن بن الحسن فضرت عنقه بمكة صبرًا

وقتل معه جماعة‏.‏وخرج يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن فقتل وخرج محمد بن جعفر بن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن علي بتاهرت فغلب عليها‏.‏ وخرج بالكوفة أيام المأمون محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن ثم مات بعد أربعة أشهر‏.‏ فخرج من بعده محمد بن محمد بن زيد بن زيد بن علي فأخذ وأظهر موته‏.‏وخرج باليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين داعية لمحمد بن إبراهيم فأمنه المأمون‏.‏ وخرج جعفر بن إبراهيم بن موسى بن جعفر باليمن فقدم به على المأمون فأمنه‏.‏وخرج محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بالطالقان في خلافة المعتصم فوجه إليه عبد الله بن طاهر فانهزم محمد ثم وقعوا به فأنفذ إلى المعتصم فحبسه في قصره فقيل إنه مات وقال قوم من الشيعة إنه سيظهر‏.‏

وخرج محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين داعية لمحمد بن إبراهيم فلما مات محمد

دعي إلى نفسه فحمل إلى المأمون وخرج الأفطس بالمدينة داعية لمحمد بن إبراهيم فلما مات

محمد دعى على نفسه وهرب العباس بن محمد بن عبد الله بن علي من الرشيد فدعى به

وخرج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بطبرستان فما زالت بيده حتى مات وخلفه أخوه

محمد فحاربه رافع بن هرثمة ثم تابعه بالري محمد بن جعفر بن الحسن فاسروا وحمل إلى محمد بن طاهر فحبسه حتى مات‏.‏وخرج الكوكبي واسمه الحسين بن أحمد بن محمد بن إسماعيل فهزمه موسى بن بغا وخرج

بالكوفة أيام المستعين يحيى بن عمر بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين ين علي فحارب فقتل‏.‏

وخرج الحسين بن محمد بن حمزة فأخذ وحبس‏.‏ وخرج ابن الأفطس بالمدينة وخرج بالمدينةإسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله فخلفه أخوه محمد فطلب فهرب ومات‏.‏

وخرج ابن لموسى بن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فمضى إلى فارس فمات بها‏.‏ وخرج صاحب البصرة وكان يدعي أنه علي بن محمد بن علي بن عيسى بن زيد بن علي وكان أنصاره الزنج وكان يرى رأي الأزارقة وسيأتي‏.‏وستأتي أخبار هؤلاء في أماكنها إن شاء الله‏.‏وفي هذه السنة غزا نصر بن سيار ما وراء النهر مرتين

وقتل أمير الترك‏:‏ وذهب إلى فرغانة فسبى بها ثلاثين ألف رأس وصالح ملكها‏.‏ فجاءت أمالملك إلى نصر بن سيار فقالت له في مخاطبتها إياه‏:‏ كل ملك لا يكون عنده ستة أشياء فليسبملك‏:‏ وزير يباثه بنيات صدره ويشاوره ويثق بنصحه وطباخ إذا لم يشته الطعام اتخذ له ما

يشتهيه وزوجة إذا دخل عليها مغتمًا فنظر إليها ذهب غمه وحصن إذا فزع أو جهد فزع إليه

فأنجاه - تعني الفرس - وسيف إذا قارع الأقران لم يخش خيانته وذخيرة إذا حملها عاش بها

أينما وقع من الأرض‏.‏وكتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار‏:‏ سر إلى هذا الغارز ذنبه في الشاش - يعني الحارث

بن شريح - فإن أظفرك الله وبأهل الشاش فخرب ديارهم واسب ذر أريهم‏.‏ فسار فقتل

المسلمون فارس الترك‏.‏

وفي هذه السنة حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي وهو عامل مكة والمدينة والطائف‏.‏ وكان العامل على أذربيجان وأرمينية مروان بن محمد وعلى خراسان نصر بن سيار وعلى قضاء البصرة عامر بن عبيدة وعلى قضاء الكوفة بن شبرمة‏.‏ وكان على العراق كله يوسف بن عمر الثقفي‏.‏

أخبرنا محمد بن ناصر قال‏:‏ أخبرنا المبارك وأحمد قالا‏:‏ أخبرنا عبد الجبار الصيرفي وهو أبونا قال‏:‏ أخبرنا القاضي أبو الحسين بن المهتدي قال‏:‏ أخبرنا أبو الفضل محمد بن الحسن بن المأمون قال‏:‏ حدَّثنا أبو بكر بن الأنباري قال‏:‏ حدثني أحمد بن بشار بن الحسن بن بيان قال‏:‏ حدَّثنا إسحاق بن بهلول بن حسان التنوخي قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ حدَّثنا إسحاق بن زياد عن

شبيب بن شبة عن خالد بن صفوان بن الأهتم قال‏:‏ أوفدني يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك في وفد العراق فقدمت عليه وقد خرج متبديًا بقرابته وأهله وحشمه وغاشيته من جلسائه فنزل في أرض قاع صحصح متنايف أفيح في عام قد بكر وسميه وتتابع وليه وأخذت الأرض زينتها من اختلاف نبتها من نور ربيع مونق فهو أحسن منظر وأحسن مختبر وأحسن مستمطر بصعيد كان ترابه قطع الكافور حتى لو أن بضعة ألقيت فيه لم تترب وقد ضرب له سرادق من حبرة وكان صنعه له يوسف بن عمر باليمن فيه أربعة أفرشة من خز أحمر مثلها مرافقها وعليه درّاعة من خز أحمر مثلها عمامتها وقد أخذ الناس مجالسهم فأخرجت رأسي من ناحية السماط فنظر إلي مثل المستنطق لي فقلت‏:‏ أتم الله عليك يا أمير المؤمنين نعمة وسوغكها بشكره وجعل ما قلدكم من هذه الأمور رشدًا وعاقبة ما يؤول إليه حمدًا أخلصه الله لك بالتقى وكثره لك بالنماء لا كدر عليك منه ما صفا ولا خالط مسروره الردى فقد أصبحت للمسمين ثقة ومستراحًا إليك يفزعون في مظالمهم وإليك يلجأون في أمورهم وما أجد يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك شيئًا هو أبلغ في قضاء حقك من أن أذكرك نعمة الله عليك فأنبهك على شكرها وما أجد في ذلك شيئًا هو أبلغ من حديث من يقدم قبلك من الملوك فإن أذن لي أمير المؤمنين أخبرته‏.‏ وكان متكئًا فاستوى قاعدًا وقال‏:‏ هات يا ابن الأهتم فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين إن ملكًا من الملوك قبلك خرج في عام مثل عامنا هذا إلى الخورنق والسدير في عام قد بكر وسميه وتتابع وليه وأخذت الأرض فيه زخرفها من اختلاف ألوان نبتها من نور ربيع مونق فهو في أحسن منظر وأطرف مختبر وألذ مستمطر بصعيد كأن ترابه قطع الكافور حتى لو أن بضعة ألقيت فيه لم تترب وكان قد أعطي فتاء السن مع الكثرة والغلبة والنماء فنظر فأبعد النظر فقال‏:‏ لمن هذا الذي أنا فيه هل رأيتم مثل ما أنا فيه هل أعطي أحد مثل ما أعطيت وعنده رجل من بقايا حملة الحجة والمضير على أدب الحق ومنهاجه فقال له‏:‏ أيها الملك إنك قد سألت عن أمر أفتأذن في الجواب قال‏:‏ نعم قال‏:‏ أرأيتك هذا الذي قد أعجبت به أهو شيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثًا عن غيرك وهو زائل عنك وصائر غيرك كما صار لك قال‏:‏ فكذلك هو قال‏:‏ أفر أراك إنما أعجبت بشيء يسير تكون فيه قليلًا وتغيب عنه طويلاُ وتكون غدًا لحسابه مرتهنًا قال‏:‏ ويحك فأين المهرب وأين المطلب قال‏:‏ إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة ربك على ما ساءك وسرك ومضّك وأومضك وإما أن تضع تاجك وتلبس أمساحك وتعبد ربك في هذا الجبل حتى يأتيك أجلك‏.‏ قال‏:‏ فإذا كان السحر فاقرع على بابي فإن اخترت ما أنا فيه كنت وزيرًا لا تعصى وجليسًا لا يقصى وإن اخترت خلوات الأرض وقعر البلاد كنت رفيقًا لا يخالف فلما كان السحر قرع عليه بابه فإذا هو قد وضع تاجه ولبس أمساحه وتهيً للسياحة فلزما والله الجبل حتى أتتهما أجالهما وذلك حيث يقول أخو بني تميم عدي بن زيد العبادي‏:‏

أيها الشامت المعير بالده ** رأأ ت المبرأ الموفورأم

لديك العهد الوثيق من ** الأيام بل أنتجاهل مغرور

من رأيت المنون خلدن أم ** من ذا عليه من أن يضام خفير

أين كسرى كسرى الملك أو ** سا سان أم أين قبله سابور

وبنو الأصفر الكرام ملوك ** الر وم لم يبق منهم مذكور

وأخو الحصن إذ بناه وإذ ** دج لة تجبى إليه والخابور

شاده مرمرًا وجلله كل ** سًا فللطير في ذراه وكور

لم تهبه ريب المنون فباد ال** ملك عنه فبابه مهجور

وتأمر رب الخورنق إذ أش **رف يومًا وللهدى تكفير

فارعوى قلبه وقال وما غب ** طة حي إلى الممات بصير

ثم بعد الإفلاح والملكولأ ** مة وارتهم هناك القبور

ثم أضحوا كأنهم ورق **ج ف فألوت به الصبا والدبور

قال‏:‏ فبكى هشام حتى اخضلت لحيته وبل عمامته وأمر بنزع أبنيته وبنقلان قرابته وأهله

وحشمه وغاشيته من جلسائه ولزم قصر‏.‏ قال‏:‏ فاجتمعت الموالي والحشم على خالد بن

صفوان فقالوا‏:‏ ما أردت بأمير المؤمنين نغصت عليه لذته وأخذت عليه ناديته فقال لهم‏:‏ إليكم

عني فإني عاهدت الله تعالى عهدًا لن أخلو بملك إلا ذكرته الله عز وجل‏.‏قال ابن الأنباري‏:‏ الذي حفظناه عن مشايخنا متنايف أفيح‏.‏

وقال أبو العباس أحمد بن يحيى‏:‏ الصواب مسايف جمع مسافة‏. ‏ ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر الربيع بن أبي راشد أبو عبد الله‏:‏ أخبرنا محمد بن أبي القاسم قال‏:‏ أخبرنا حمد بن أحمد قال‏:‏ أخبرنا أبو نعيم الأصفهاني قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن مالك قال‏:‏ حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال‏:‏ حدثني الفضل بن سهل كنت إذا رأيت الربيع بن أبي راشد كأنه مخمار من غير شراب‏.‏

أخبرنا علي بن أبي عمر قال‏:‏ أخبرنا رزق الله قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال‏:‏

حدَّثنا الحسين بن صفوان قال‏:‏ حدَّثنا أبو بكر القرشي قال‏:‏ حدَّثنا مالك بن إسماعيل قال‏:‏

حدثني عبد السلام بن حرب عن خلف بن حوشب قال‏:‏ قال الربيع بن أبي راشد‏:‏

أقرأ علي‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث‏}‏ فقرأتها عليه فبكى ثم قال‏:‏ والله لو لا أن

تكون بدعة لسحت - أو قال‏:‏ لهمت في الجبال‏.‏

زيد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب‏:‏ دخل على هشام بن عبد الملك فرفع دينًا وحوائج فلم يقضها له وأسمعه كلامًا شديدًا فخرج إلى الكوفة وخرج بها ويوسف بن عمر الثقفي عامل هشام على العراق فوجه إلى زيد من يقاتله فاقتتلوا فتفرق عن زيد من خرج معه ثم قتل وصلب فلما ظهر ولد العباس أخرج هشام من قبره فصلب‏.‏ وكان قتل زيد في هذه السنة وكان ابن اثنتين وأربعين سنة عطاء السليمي‏:‏ كان شديد الخوف والحياء من الله لم يرفع رأسه إلى السماء أربعين سنة‏.‏ وكان يبكي حتى يبل ما حوله فعوتب في بكائه فقال‏:‏ إذا ذكرت أهل النار وما ينزل بهم من العذاب تمثلت وكان يقول‏:‏ ارحم في الدنيا غرتي وفي القبر وحدتي وطول مقامي غدًا بين يديك‏.‏وقال جعفر بن سليمان‏:‏ التقى ثابت وعطاء السليمي ثم افترقا فلما كان وقت الهاجرة جاء عطاء فخرجت الجارية إليه فقالت‏:‏ أخوك عطاء فخرج إليه فقال‏:‏ يا أخي في هذا الحر قال‏:‏ ظللت صائمًا فاشتد علي الحر فذكرت حر جهنم فأحببت أن تعينني على البكاء فبكيا حتى سقطا‏.‏قال جعفر‏:‏ ولما مات عطاء رأيته في المنام فقلت‏:‏ ما فعل الله بك قال‏:‏ رحمني ووبخني وقال

لي‏:‏ يا عطاء ما استحييت مني تخافني ذلك الخوف كله أما علمت أني أرحم الراحمين‏.‏

عطية بن قيس الكلابي من أهل القرآن والفضل توفي في هذه السنة وهو ابن مائة سنة وأربع سنين‏.‏

محمد بن يحيى بن حبان بن منقذ بن عمر بن مالك أو عبد الله كانت له حلقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يفتي وكان كثير الحديث ثقة‏.‏ توفي بالمدينة في هذه السنة‏.‏